زارني ليلة البارحة صديق لي فاستقبلته واعتذرت إليه بأني مشغول، عندي مقالة، قال: كل يوم مقالة، أو حديث؟ متى تنتهي هذه المقالات وهذه الأحاديث؟. .
قلت: حتى أنتهي أنا . . .
قال إنك تنشر باستمرار من أربعين سنة فمن أين تجيء بهذه الموضوعات كلها؟
قلت أسمع كلمة من تكلم أو أبصر مشهداً في طريق فأدير ذلك في ذهني و لا أزال أولّد من الكلمة كلمة، ومن المشهد مشهداً حتى يجيء من ذلك حديث أو مقالة .
قال: أرني كيف تصنع حتى أتعلم !
فضحكت وقلت: إنها عملية تتم في ذهني لا في يدي، فكيف أريك ما لا يرى
وكنا قد شربنا القهوة ولكني لم أكتف بها ووجدت أنها لا تزال بي رغبة إلى الشاي و أنا كالإنكليز (في هته فقط) أشرب الشاي في الصباح و في الأصيل و في الليل لا أنتهي منه حتى أعود إليه. فقلت للبنت: قولي لأمك أن بابا يسألك : هل من آداب الضيافه أن تقدم الشاي بعد القهوة؟
فذهبت فقالت بابا عاوز شاي.
قلت له : " أسمعت؟ هذا موضوع حديث "
قال متعجباً : هذا؟ قلت : نعم. لقد بعثتها لتنقل عبارة معناها إني أريد شاياً. ولكني جعلتها نكتة لطيفة، ليس أمر و ليس فيها جفاء . . . فأضاعت البنت هذه المزايا كلها حين بلغتها المعنى المجرد جافاً قاسياً كأنه أمر عسكري.
أفلا يوحي لك هذا بشيء؟
فنظر وقال: لا!
قلت : أما أنا فقد ذكرني بقصة الأمير الذي رأى رؤيا مزعجة فدعا بمن يعبرها له، فقال له: تفسيرها أنها ستموت أسرتك كلها. فغضب الملك و أمر به فجلد عشر جلدات وطرد. ودعا بأخر، فقال له . . . أيها الأمير إن تعبير رؤياك واضح أنك أطول عمراً من أسرتك كلها.
فسر الأمير و أمر أن يعطى عشرة دنانير.
والمعنى واحد و لكن هذا قذف به في وجه الأمير عارياً صلداً كأنه يقذفه بحجر فخرج مضروباً وذلك لفه بثوب جميل من حسن التعبير و قدمه إليه بيمينه برفق و تعظيم فخرج بالجائزة.
إن هذا هو الموضوع؟
قال إني لم أفهم شيئاً إلى الأن؟ فما هو الموضوع؟
قلت: فنّ الكلام.